الأبشيهي

669

المستطرف في كل فن مستظرف

الكتاب وختمه ودعا النخاسين فقال لهم : تجهزوا للسفر بهؤلاء الجواري إلى أمير المؤمنين فقال أحد النخاسين أيد الله الأمير إني رجل كبير ضعيف عن السفر ولي ولد ينوب عني أفتأذن لي في ذلك قال : نعم فتجهزوا وخرجوا ففي بعض مسيرهم نزلوا يوماً ليستريحوا في بعض الأماكن فنامت الجواري فهبت الريح فانكشف بطن إحداهن وهي الكوفية فبان نور ساطع وكان اسمها مكتوم فنظر إليها ابن النخاس وكان شاباً جميلاً ففتن بها لساعته فأتاها على غفلة من أصحابه وجعل يقول : [ من الطويل ] أمكتوم كم من عاشق قتل الهوى * وقلبي رهين كيف لا أتعشق فأجابته تقول : [ من الكامل ] لو كان حقاً ما تقول لزرتنا * ليلاً إذا هجعت عيون الحسد قال : فلما جن الليل انتضى الفتى ابن النخاس سيفه وأتى نحو الجارية فوجدها قائمة تنتظر قدومه فأخذها وأراد أن يهرب بها ففطن به أصحابه فأخذوه وكتفوه وأوثقوه بالحديد ولم يزل مأسوراً معهم إلى أن قدموا على عبد الملك بن مروان فلما مثلوا بالجواري بين يديه أخذ الكتاب ففتحه وقرأه فوجد الصفة وافقت اثنتين من الجواري ولم توافق الثالثة ورأى في وجهها صفرة وهي الجارية الكوفية فقال للنخاسين : ما بال هذه الجارية لم توافق حليتها التي ذكرها الحجاج في كتابه وما هذا الاصفرار الذي بها والانتحال فقالوا يا أمير المؤمنين نقول ولنا الأمان قال : وإن كذبتم هلكتم فخرج أحد النخاسين وأتى بالفتى وهو مصفد بالحديد فلما قدموه بين يدي أمير المؤمنين بكى بكاء شديداً وأيقن بالعذاب ثم أنشأ يقول : [ من الوافر ] أمير المؤمنين أتيت رغماً * وقد شدت إلى عنقي يديا مقراً بالقبيح وسوء فعلي * ولست بما رميت به بريا فإن تقتل ففوق القتل ذنبي * وإن تعفو فمن جود عليا فقال عبد الملك : يا فتى ما حملك على ما صنعت استخفاف بنا أم هوى الجارية قال : وحق رأسك يا أمير المؤمنين وعظم قدرك ما هو إلا هوى الجارية فقال : هي لك بما أعددته لها فأخذها الغلام بكل ما أعده لها أمير المؤمنين من الحلي والحلل وسار بها فرحاً مسروراً إلى نحو أهله حتى إذا كان ببعض الطريق نزلا بمرحلة ليلاً فتعانقا وناما فلما أصبح الصباح وأراد الناس السير نبهوهما فوجدوهما ميتين فبكوا عليهما ودفنوهما بالطريق ووصل خبرهما إلى عبد الملك فبكى عليهما وتعجب من ذلك . ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخرج خالد بن الوليد المخزومي رضي الله تعالى عنه إلى مشركي خزاعة قال خالد : فأخرجني إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف فارس من أهل النجدة والبأس قال : فجد بنا المسير إليهم فسبق إليهم الخبر فخرجوا إلينا فقاتلناهم قتالاً شديداً حتى تعالى النهار وطار الشرار وهاجت الفرسان وتلاحمت الأقران فلولا الله تعالى أيدنا بنصره لكادت الدائرة أن تكون علينا ولكن تداركنا الله برحمة منه فهزمناهم وقتلناهم قتلاً ذريعاً ولم ندع لهم فارساً إلا قتلناه ثم طلبنا